الآلوسي

110

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )

الشقاوة قل أو كثر ، وهذا هو المراد من كتب الأعمال عند حكماء الإسلام واللّه تعالى العالم بحقائق الأمور انتهى ، وقد رأيت ذلك لبعض الصوفية . وأنت تعلم أنه خلاف ما نطقت به الآيات والأخبار ، ونحن في أمثال هذه الأمور لا نعدل عن الظاهر ما أمكن ، والحق أبلج وما بعد الحق إلا الضلال هذا . ومن الناس من جعل ضمير « له » لمن الأخير والأول أولى ، ومنهم من جعله للّه تعالى وما بعده - لمن - وفيه تفكيك للضمائر من غير داع ، ومنهم من جعله للنبي صلى اللّه عليه وسلم وهو عليه الصلاة والسلام معلوم من السياق وقد تقدم الأخبار عنه صلى اللّه عليه وسلم في قوله تعالى : وَيَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ [ يونس : 20 ] الآية . واستدل على ذلك بما أخرجه ابن المنذر . وابن أبي حاتم . والطبراني في الكبير . وابن مردويه ، وأبو نعيم في الدلائل من طريق عطاء بن يسار عن ابن عباس أن أربد بن قيس وعامر بن الطفيل قدما المدينة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فانتحيا إليه وهو عليه الصلاة والسلام جالس فجلسا بين يديه فقال عامر : ما تجعل لي إن أسلمت ؟ قال النبي صلى اللّه عليه وسلم لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم قال : أتجعل لي إن أسلمت الأمر بعدك ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : ليس ذلك لك ولا لقومك ولكن لك أعنة الخيل قال : فاجعل لي الوبر ولك المدر فقال صلى اللّه عليه وسلم : لا فلما قفى من عنده قال : لأملأنها عليك خيلا ورجلا فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : يمنعك اللّه تعالى ، وفي رواية وأبناء قيلة - يريد الأوس والخزرج - فلما خرجا قال عامر : يا أربد إني سألهي محمدا عنك بالحديث فاضربه بالسيف فإن الناس إذا قتلته لم يزيدوا على أن يرضوا بالدية ويكرهوا الحرب فسنعطيهم الدية فقال أربد : افعل فأقبلا راجعين فقال عامر : يا محمد قم معي أكلمك فقام عليه الصلاة والسلام معه فخليا إلى الجدار ووقف عامر يكلمه وسل أربد السيف فلما وضع يده عليه يبست على قائمة فلم يستطع سله وأبطأ على عامر فالتفت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فرأى أربد وما يصنع فانصرف عنهما وقال عامر لأربد : ما لك ؟ قال : وضعت يدي على قائم سيفي فيبست فلما خرجا حتى إذا كانا بالرقم نزلا فخرج إليهما سعد بن معاذ وأسيد بن حضير فوقع بهما أسيد قال : اشخصا يا عدوي اللّه تعالى لعنكم اللّه تعالى فقال عامر : من هذا يا سعد ؟ فقال : هذا أسيد بن حضير الكتائب فقال : أما واللّه إن كان حضير صديقا لي ، ثم إن اللّه سبحانه أرسل على أربد صاعقة فقتلته وخرج عامر حتى إذا كان بوادي الجريد أرسل اللّه تعالى عليه قرحة فأدركه الموت ، وفي رواية أنه كان يصيح يا لعامر أغدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية فأنزل اللّه تعالى فيهما اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى إلى قوله سبحانه : لَهُ مُعَقِّباتٌ إلى آخره ثم قال : المعقبات من أمر اللّه يحفظون محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، وجاء في رواية أخرى عنه رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : هذه للنبي عليه الصلاة والسلام خاصة ، والأكثرون على اعتبار العموم . وسبب النزول لا يأبى ذلك واللّه تعالى أعلم ، ثم إنه سبحانه بعد أن ذكر إحاطة علمه بالعباد وإن لهم معقبات يحفظونهم من أمره جل شأنه نبه على لزوم الطاعة ووبال المعصية فقال عزّ من قائل : إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ من النعمة والعافية حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ما اتصفت به ذواتهم من الأحوال الجميلة لا ما أضمروه ونووه فقط ، والمراد بتغيير ذلك تبديله بخلافه لا مجرد تركه ، وجاء عن علي كرم اللّه تعالى وجهه مرفوعا يقول اللّه تعالى : « وعزتي وجلالي وارتفاعي فوق عرشي ما من أهل قرية ولا أهل بيت ولا رجل ببادية كانوا على ما كرهت من معصيتي ثم تحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتي إلا تحولت لهم عما يكرهون من عذابي إلى ما يحبون من رحمتي وما من أهل قرية ولا أهل بيت ولا رجل ببادية كانوا على ما أحببت من طاعتي ثم تحولوا عنها إلى ما كرهت من معصيتي إلا تحولت لهم عما يحبون من رحمتي إلى ما يكرهون من عذابي » أخرجه ابن أبي شيبة وأبو الشيخ وابن مردويه . واستشكل ظاهر الآية حيث أفادت أنه لا يقع تغيير النعم بقوم حتى يقع تغيير منهم بالمعاصي مع أن ذلك